أحمد بن علي القلقشندي

14

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

حللا لا تخلق جدّتها الأيام ، ولا تبلغ كنهها الأفهام ؛ وبلغه في خدمه المبالغ التي يسرّ بها الإسلام ، وتسبح في البحار صنائعها الأقلام ، وحرس معاليه الباهرة بعينه التي لا تنام ، وكنفه بركنه الذي لا يضام - فهو الفرع الذي جرى بخصله على أصله ، وارتسم نصره في نصله ، واشتمل جدّه على فضله ، وشهدت ألسن خلاله ، برفعة جلاله ، وظهرت دلائل سعادته ، في بدء كل أمر وإعادته . ولمّا صرف وجهه إلى ترشيحه لافتراع هضاب المجد البعيد المدى ، وتوشيحه بالصّبر والحلم والبأس والنّدى ، وأرهف منه سيفا من سيوف اللَّه لضرب هام العدا ، وأطلعه في سماء الملك بدر هدى ، لمن راح وغدا ، وأخذه بالآداب التي تقيم من النفوس أودا ، وتبذر في اليوم فتجنى غدا ، ورقّاه في رتب المعالي طورا فطورا ، ترقّي النبات ورقا ونورا ؛ ليجده بحول اللَّه يدا باطشة على أعدائه ، ولسانه مجيبا عند ندائه ، وطرازا على حلَّة عليائه ، وغماما من غمائم آلائه ، وكوكبا وهّاجا بسمائه ، وعقد له لواء الجهاد على الكتيبة الأندلسية من جنده ، قبل أن ينتقل من مهده ، وظلَّله بجناح رايته ، وهو على كتد ( 1 ) دايته ، واستركب جيش الإسلام ترحيبا بوفادته ، وتنويها بمجادته ، وأثبت في غرض الإمارة النصرية سهم سعادته - رأى أن يزيده من عنايته ضروبا وأجناسها ، ويتبع أثره ناسا فناسا ، قد اختلفوا لسانا ولباسا ، واتفقوا ابتغاء لمرضاة اللَّه والتماسا ، ممّن كرم انتماؤه ، وازّينت بالحسب الغر ( 2 ) سماؤه ، وعرف غناؤه ، وتأسّس على المجادة بناؤه ، حتّى لا يدع من العناية فنّا إلا جلبه إليه ، ولا مقادة فخر إلا جعلها في يديه ، ولا حلَّة عز إلا أضفى ملابسها عليه . وكان جيش الإسلام في هذه البلاد الأندليسة - أمّن اللَّه خلالها ، وسكَّن زلزالها ، وصدّق في رحمة اللَّه التي وسعت كل شيء آمالها - كلف همّته ، ومرعى

--> ( 1 ) الكتد ، بفتح التاء وكسرها : مجتمع الكتفين من الإنسان والفرس . والداية هي الظئر أو المرضعة لغير ولدها . والمراد : وهو ما زال طفلا رضيعا . ( 2 ) في هامش الطبعة الأميرية : « ولعله الأغرّ . وفي ريحانة الكتاب : الخالص » .